وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ صَالَحَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَغَيْرَهُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى نِصْفِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى لَمَّا شَاوَرَ الْأَنْصَارَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهُوَ أَمْرٌ أَمَرَك اللَّهُ بِهِ أَمْ الرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا بَلْ هُوَ رَأْيٌ لِأَنِّي رَأَيْت الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ فَأَرَدْت أَنْ أَدْفَعَهُمْ عَنْكُمْ إلَى يَوْمٍ مَا فَقَالَ السَّعْدَانِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَطْمَعُونَ فِيهَا مِنَّا إلَّا قِرًى وَشِرًى وَنَحْنُ كُفَّارٌ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ؟ لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ وَشَقَاءَ الصَّحِيفَةِ } فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا خَافُوا الْمُشْرِكِينَ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالْمَالِ.
فَهَذِهِ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ وَبَعْضُهَا بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْأَحْوَالِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَاسْتَعْمَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، وَهَذَا نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا فِي مِيرَاثِ الْحَلِيفِ أَنَّهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ فِي حَالِ عَدَمِ ذَوِي الْأَنْسَابِ وَوَلَاءِ الْعَتَاقِ، فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ ذُو نَسَبٍ أَوْ وَلَاءِ عَتَاقَةٍ فَهُمْ أَوْلَى مِنْ الْحَلِيفِ كَمَا أَنَّ الِابْنَ أَوْلَى مِنْ الْأَخِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ. أ هـ ﴿أحكام القرآن للجصاص حـ ٣ صـ ﴾