قوله :﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون﴾ يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قاهراً على ذلك، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء ؛ منها : أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً، ومنها : أن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، ومنها : أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزاً إلى فئة، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة.
واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى :﴿حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلاً لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه.
المسألة الثانية :
قوله :﴿إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الذين كَفَرُواْ﴾ حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة ؟
وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة، وكان رسول الله يبعث السرايا، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين.
المسألة الثالثة :
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿إن تَكُنْ﴾ بالتاء، وكذلك الذي بعده ﴿وَأَنْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ﴾ وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما.
المسألة الرابعة :
أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة، وهو قوله :﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ وتقرير هذا الكلام من وجوه :
الوجه الأول : أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية.


الصفحة التالية
Icon