الوجه الرابع : أن النبي ﷺ وأبا بكر بكيا، وصرح الرسول ﷺ أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء، وذلك يدل على أنه ذنب.
الوجه الخامس : أن النبي ﷺ قال :" إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر " وذلك يدل على الذنب، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية.
والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولاً : أن قوله :﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الارض﴾ يدل على أنه كان الأسر مشروعاً، ولكن بشرط سبق الإثخان في الأرض، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس.
ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزاً بحكم هذه الآية، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنباً ومعصية ؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى :
﴿حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ [ محمد : ٤ ].
فإن قالوا : فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزاً والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب لعقاب عليه، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب ؟ فنقول : الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطاً بضابط معلوم معين، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضاً إلى الاجتهاد، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعاً في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.