فصل
قال الجصاص :
قَوْله تَعَالَى :﴿ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾
نَسَخَ بِهِ إيجَابَ التَّوَارُثِ بِالْهِجْرَةِ وَالْحِلْفِ وَالْمُوَالَاةِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الْعَصَبَاتِ وَغَيْرِهِمْ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي إثْبَاتِ مِيرَاثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ الَّذِينَ لَا تَسْمِيَةَ لَهُمْ وَلَا تَعْصِيبَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إلَى أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَاحْتَجَّ فِيهِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ؛ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَةَ حَمْزَةَ أَعْتَقَتْ عَبْدًا، وَمَاتَ وَتَرَكَ بِنْتًا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِصْفَ مِيرَاثِهِ لِابْنَتِهِ، وَنِصْفَهُ لِابْنَةِ حَمْزَةَ بِالْوِلَايَةِ فَجَعَلَهَا عَصَبَةً، وَالْعَصَبَةُ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :﴿ الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ.
﴾ وقَوْله تَعَالَى :﴿ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ : فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، كَمَا قَالَ :﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ وَالثَّانِي : فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى. أ هـ ﴿أحكام القرآن للجصاص حـ ٣ صـ ﴾
سُورَةُ بَرَاءَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿ بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْبَرَاءَةُ هِيَ قَطْعُ الْمُوَالَاةِ وَارْتِفَاعُ الْعِصْمَةِ، وَزَوَالُ الْأَمَانِ.