مَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْأُصُولَ يَعْلَمُ كُنْهَ الْإِيمَانِ وَثَمَرَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ جِنْسِيَّةً سِيَاسِيَّةً، وَلَا دَعْوَةً لِسَانِيَّةً، بَلْ هُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْكَمَالَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، الْمُطَهِّرَةِ لِأَهْلِهِ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالدَّنَاءَاتِ، فَلْيَزِنِ الْقَارِئُ إِيمَانَهُ بِمِيزَانِ الْقُرْآنِ، وَلْيَكُنْ لَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
(فِي حَالَةِ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَوْ حَالًا وَنَفْسًا وَقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ)
بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَمِنْهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ بَدْرٍ، بَيَّنَ حَالَ غَيْرِ كَامِلِي الْإِيمَانِ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٥ و٦).
وَقَالَ فِي تَعَجُّبِ الْمُنَافِقِينَ وَضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ مِنْ إِقْدَامِ كَمَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي بَدْرٍ عَلَى مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ : إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩).
وَقَالَ فِي تَعْزِيرِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْفِدَاءَ مَنْ أَسْرَى بَدْرٍ قَبْلَ إِذْنِهِ تَعَالَى لَهُمْ بِهِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إِلَى قَوْلِهِ : عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٧ و٦٨).