(السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ) مَا ثَبَتَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ كَوْنِ الظُّلْمِ فِي الْأُمَمِ يَقْتَضِي عِقَابَهَا فِي الدُّنْيَا بِالضَّعْفِ وَالِاخْتِلَالِ، الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الزَّوَالِ، أَوْ فَقْدِ الِاسْتِقْلَالِ. وَكَوْنُ هَذَا الْعِقَابِ عَلَى الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا، لَا عَلَى مُقْتَرِفِي الظُّلْمِ وَحْدَهُمْ مِنْهَا، قَالَ تَعَالَى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (٨ : ٢٥) وَذَلِكَ أَنَّ الْفِتَنَ فِي الْأُمَمِ وَالظُّلْمَ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِيهَا، وَلَا يَقُومُ مِنْ أَفْرَادِهَا وَجَمَاعَاتِهَا مَنْ يُقَاوِمُهُ يَعُمُّ فَسَادُهُ، بِخِلَافِ ذُنُوبِ الْأَفْرَادِ غَيْرِ الْعَامَّةِ الْمُنْتَشِرَةِ، فَالْأُمَّةُ فِي تَكَافُلِهَا كَأَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، فَكَمَا أَنَّ الْجَسَدَ يَتَدَاعَى وَيَتَأَلَّمُ كُلُّهُ لِمَا يُصِيبُ بَعْضَهُ كَذَلِكَ الْأُمَمُ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفِتْنَةِ هُنَا مَا شَأْنُهُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ الْأُمَمِ مِنَ التَّنَازُعِ