وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ عِقَابِ مُعَانِدِي الرُّسُلِ، فَهُوَ يُشْبِهُ عَذَابَ الْأُمَمِ عَلَى ظُلْمِهَا وَفُسُوقِهَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَيُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : يُشْبِهُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَعْدَاءَ الرُّسُلِ وَمُقَاتِلِيهِمْ كَانُوا دَائِمًا ظَالِمِينَ لَهُمْ وَلِأَنْفُسِهِمْ ؛ لِأَنَّ الرُّسُلَ مَا جَاءُوهُمْ إِلَّا بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَمَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، مَعَ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالظُّلْمِ، إِلَّا وَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وَهُمُ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَنَصْرُ اللهِ تَعَالَى لِرُسُلِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ الْقَائِمِينَ بِحُقُوقِ الْإِيمَانِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَغَيْرِهَا كَانَ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ فِيهِ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي بَابِ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَسُنَّةِ تَنَازُعِ الْبَقَاءِ وَرُجْحَانِ الْأَمْثَلِ، وَيُخَالِفُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ وُجُودَ الرَّسُولِ فِي الْمُؤْمِنِينَ ضَامِنٌ لِالْتِزَامِهِمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ، وَمُرَاعَاةَ السُّنَنِ الْعَامَّةِ، حَتَّى إِذَا مَا خَالَفُوا وَشَذُّوا بِنُكُوبِ السَّبِيلِ مَرَّةً تَابُوا وَآنَابُوا، كَمَا وَقَعَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي غَزْوَتَيْ أُحُدٍ وَحُنَيْنٍ، وَوَقَعَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.