وَقَالَ الْحَافِظُ : قَالَ السُّهَيْلِيُّ : آخَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ لِيُذْهِبَ عَنْهُمْ وَحْشَةَ الْغُرْبَةِ، وَيَتَأَنَّسُوا مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ، وَيَشُدَّ بَعْضُهُمْ أَزْرَ بَعْضٍ، فَلَمَّا عَزَّ الْإِسْلَامُ، وَاجْتَمَعَ الشَّمْلُ وَذَهَبَتِ الْوَحْشَةُ أُبْطِلَتِ الْمَوَارِيثُ وَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ إِخْوَةً، وَأَنْزَلَ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (٤٩ : ١٠) يَعْنِي فِي التَّوَادُدِ وَشُمُولِ الدَّعْوَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ابْتِدَائِهَا فَقِيلَ : بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ : بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ : وَهُوَ يَبْنِي الْمَسْجِدَ، وَقِيلَ : قَبْلَ بِنَائِهِ، وَقِيلَ بِسَنَةٍ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ قَبْلَ بَدْرٍ اهـ.
أَقُولُ : فَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ التَّوَارُثُ بِالْمُؤَاخَاةِ حَصَلَ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَنُسِخَ بَعْدَهَا فِي سَنَتِهَا ؟ وَهَلْ تَظْهَرُ الْحِكْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّهَيْلِيُّ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ؟ كَلَّا إِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ عَزَّ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَكِنَّ الشَّمْلَ لَمْ يَجْتَمِعْ، وَالْوَحْشَةَ لَمْ تَذْهَبْ، وَالسَّعَةَ فِي الرِّزْقِ لَمْ تَحْصُلْ، وَكَانَ لَا يَزَالُ أَكْثَرُ أُولِي الْقُرْبَى مُشْرِكِينَ.
(ثُمَّ قَالَ) : وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُؤَاخَاةَ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِأَصْحَابِهِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ :" تَآخَوْا أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ " فَكَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ أَخَوَيْنِ،