وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَقِفُوا عِنْدَ حُدُودِهِ فِيهِ لِئَلَّا تَقَعُوا فِي عِقَابِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ، وَأَنْ تُرَاقِبُوهُ وَتَتَذَكَّرُوا اطِّلَاعَهُ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وَتَتَوَخَّوْا فِيهَا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ وَالْمَصْلَحَةَ وَتَتَّقُوا الْهَوَى الصَّادَّ عَنْ ذَلِكَ. وَبِمِثْلِ هَذَا الْإِنْذَارِ الْإِلَهِيِّ تَمْتَازُ الْأَحْكَامُ السِّيَاسِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى الْأَحْكَامِ الْقَانُونِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ بِمَا يَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ أَصْدَقَ فِي إِقَامَةِ شَرِيعَتِهِمْ،
وَأَجْدَرَ بِالْوَفَاءِ بِعُهُودِهِمْ، وَأَبْعَدَ عَنِ الْخِيَانَةِ فِيهَا سِرًّا وَجَهْرًا، وَفِي هَذَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ لِخُصُومِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فَكَيْفَ بِأَهْلِ ذِمَّتِهِمْ ؟ وَإِنَّنَا نَرَى أَعْظَمَ دُوَلِ الْمَدَنِيَّةِ الْعَصْرِيَّةِ تَنْقُضُ عُهُودَهَا جَهْرًا عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَلَا سِيَّمَا عُهُودَهَا لِلضُّعَفَاءِ، وَتَتَّخِذُهَا دَخَلًا وَخِدَاعًا مَعَ الْأَقْوِيَاءِ، وَتَنْقُضُهَا بِالتَّأْوِيلِ لَهَا إِذَا رَأَتْ أَنَّ هَذَا فِي مَنْفَعَتِهَا. وَقَدْ قَالَ أَعْظَمُ رِجَالِ سِيَاسَتِهِمُ الْبِرِنْسُ بِسْمَارْك مُعَبِّرًا عَنْ حَالِهِمْ : الْمُعَاهَدَاتُ حُجَّةُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ. (وَقَالَ) فِي الدَّوْلَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ : إِنَّهَا أَبْرَعُ الدُّوَلِ فِي التَّفَصِّي فِي الْمُعَاهَدَاتِ بِالتَّأْوِيلِ.