التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَعْلَى مَقَامَاتِ التَّوْحِيدِ. فَالْمُؤْمِنُ الْمُوَحِّدُ الْكَامِلُ لَا يَتَوَكَّلُ عَلَى مَخْلُوقٍ مَرْبُوبٍ لِخَالِقِهِ مِثْلِهِ، بَلْ مَشْهَدُهُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ أَنَّهَا أَسْبَابٌ سَخَّرَ اللهُ بَعْضَهَا لِبَعْضٍ فِي نِظَامِ التَّقْدِيرِ الْعَامِّ، الَّذِي أَقَامَ بِهِ أُمُورَ الْعَالَمِ الْمُخْتَارُ مِنْهَا وَغَيْرُ الْمُخْتَارِ، فَكُلُّهَا سَوَاءٌ فِي الْخُضُوعِ لِسُنَنِهِ فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ، وَالسُّجُودِ لَهُ فِي الِانْفِعَالِ بِتَقْدِيرِهِ فِي نِظَامِ الْكَائِنَاتِ، وَهِيَ فِيمَا وَرَاءَ تَسْخِيرِهِ إِيَّاهَا سَوَاءٌ فِي الْعَجْزِ عَنِ النَّفْعِ وَالضُّرِّ إِيجَابًا وَسَلْبًا فَشَأْنُ الْمُؤْمِنَ الْمُتَوَكِّلِ فِي دَائِرَةِ الْأَسْبَابِ أَنْ يَطْلُبَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ سَبَبِهِ، خُضُوعًا لِسُنَنِهِ تَعَالَى فِي نِظَامِ خَلْقِهِ، وَهُوَ بِذَلِكَ يَطْلُبُهَا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُ أَنْ يَطْلُبَهَا أَمْرًا تَكْوِينِيًّا قَدَرِيًّا، وَتَشْرِيعِيًّا تَكْلِيفِيًّا، فَإِذَا جَهِلَ الْأَسْبَابَ أَوْ عَجَزَ عَنْهَا، وَكَّلَ أَمْرَهُ فِيهَا إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى، دَاعِيًا إِيَّاهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا جَهِلَ بِمَا سَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْعِلْمِ، وَمِنْهَا الْإِلْهَامُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ - وَأَنْ يُسَخِّرَ لَهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ جَمَادٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ إِنْسَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فَائِدَتَهُ فِي قَوْلِهِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَقَدْ بَيَّنَّا مَوْقِعَهُ فِي تَفْسِيرِهَا (ص٤٩٣ وَمَا بَعْدَهَا ج ٩ ط الْهَيْئَةِ) وَفِي آيَةِ : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ (٦١) وَبَيَّنَّا مَوْقِعَهَا