إنه ابتداء يجب توجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخلص، الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها ; والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابة وقوة ووعياً ; ذلك مع الحذر الشديد من التوسع الأفقي قبل الاطمئنان إلى قيام هذه القاعدة الصلبة الخالصة الواعية المستنيرة. فالتوسع الأفقي قبل قيام هذه القاعدة خطر ما حق يهدر وجود أية حركة، لا تسلك طريق الدعوة الأولى من هذة الناحية، ولا تراعي طبيعة المنهج الحركي الرباني النبوي الذي سارت عليه الجماعة الأولى.
على أن الله - سبحانه - هو الذي يتكفل بهذا لدعوته. فحيثما أراد لها حركة صحيحة، عرَّض طلائعها للمحنة الطويلة ; وأبطأ عليهم النصر ; وقللهم ; وبطأ الناس عنهم ; حتى يعلم منهم أن قد صبروا وثبتوا، وتهيأوا وصلحوا لأن يكونوا هم القاعدة الصلبة الخالصة الواعية الأمنية.. ثم نقل خطاهم بعد ذلك بيده - سبحانه - والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون...
والآن نعرض - على وجه الإجمال - للموضوعات الرئيسية التي تضمنتها السورة، وبخاصة الأحكام النهائية التي قررتها في علاقة المعسكر الإسلامي بسائر المعسكرات حوله.. فالأحكام التي وردت في هذه السورة - بوصفها آخر ما نزل من الأحكام - هي التي تمثل قمة الخط الحركي للمنهج الإسلامي..
ونحب هنا أن نعيد ما قلناه في الجزء التاسع - في تقديم سورة الأنفال - عن طبيعة هذا المنهج ; لنفهم على ضوئه هذه الأحكام النهائية الأخيرة ; ولو كان في إعادته شيء من التكرار في كتاب الظلال. ذلك أن قرب هذه الفقرات التي سنعيدها هنا ضروري لحيوية السياق: