فإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون بواقعهم تحقيق هذه الأحكام ; فهم - اللحظة وموقتا - غير مكلفين بتحقيقها - ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها - ولهم في الأحكام المرحلية سعة يتدرجون معها حتى ينتهوا إلى تنفيذ هذه الأحكام الأخيرة عندما يكونون في الحال التي يستطيعون معها تنفيذها.. ولكن عليهم ألا يلووا أعناق النصوص النهائية لتوافق أحكام النصوص المرحلية. وعليهم ألا يحملوا ضعفهم الحاضر على دين الله القوي المتين. وعليهم أن يتقوا الله في مسخ هذا الدين وإصابته بالهزال بحجة أنه دين السلم والسلام ! إنه دين السلم والسلام فعلا، ولكن على أساس إنقاذ البشرية كلها من عبادة غير الله، وإدخال البشرية كافة في السلم كافة.. إنه منهج الله هذا الذي يراد البشر على الارتفاع إليه، والاستمتاع بخيره ; وليس منهج عبد من العبيد ; ولا مذهب مفكر من البشر ; حتى يخجل الداعون إليه من إعلان أن هدفهم الأخير هو تحطيم كل القوى التي تقف في سبيله ; لإطلاق الحرية للناس أفرادا في اختياره..
إنه حين تكون المذاهب التي يتبعها الناس مذاهب بشرية من صنع العبيد ; وحين تكون الأنظمة والشرائع التي تصرف حياتهم من وضع العبيد أيضا. فإنه في هذه الحالة يصبح لكل مذهب ولكل نظام الحق في أن يعيش داخل حدوده آمنا، ما دام أنه لا يعتدي على حدود الآخرين، ويصبح من حق هذه المذاهب والأنظمة والأوضاع المختلفة أن تتعايش وألا يحاول أحدها إزالة الآخر !
فأما حين يكون هناك منهج إلهي وشريعة ربانية، ووضع العبودية فيه لله وحده ; وتكون إلى جانبه مناهج ومذاهب وأوضاع من صنع البشر العبودية فيها للعباد.. فإن الأمر يختلف من أساسه. ويصبح من حق المنهج الإلهي أن يجتاز الحواجز البشرية ; ويحرر البشر من العبودية للعباد ; ويتركهم أحرارا في اختيار العقيدة التي يختارونها في ظل الدينونة لله وحده.