والقول الثاني : أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدؤا بنقض العهد، وهذا قول الأكثرين، وإنما قال :﴿بدؤكم﴾ تنبيهاً على أن البادىء أظلم، ولما شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها، فقال :﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ وهذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه : الأول : أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية، والثاني : أنك إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك كان ذلك تحريكاً منه لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه، والثالث : أن قوله :﴿فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ يفيد ذلك كأنه قيل : إن كنت تخشى أحداً فالله أحق أن تخشاه لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة، والضرر المتوقع منهم غايته القتل.
أما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدنيا، والرابع : أن قوله :﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ معناه : أنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة، ومعناه أنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا مؤمنين فثبت أن هذا كلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد.
بقي في الآية أبحاث :
البحث الأول : حكى الواحدي عن أهل المعاني أنهم قالوا : إذا قلت لا تفعل كذا، فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده، وإذا قلت ألست تفعل فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده، والفرق بينهما أن لا ينفي بها المستقبل، فإذا دخلت عليها الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل، وليس إنما تستعمل لنفي الحال.
فإذا دخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال.


الصفحة التالية
Icon