واعلم أن المنقول عن اليهود والنصارى : إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يميلون إلى البعث الروحاني.
واعلم أنا بينا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية، ودللنا على صحة القول بها وبينا دلالة الآيات الكثيرة عليها، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة، بحيث يأكلون ويشربون، وبالجواري يتمتعون، ولا شك أن من أنكر الحشر والبعث الجسماني، فقد أنكر صريح القرآن، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر.
الصفة الثالثة : من صفاتهم قوله تعالى :﴿وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ﴾ وفيه وجهان : الأول : أنهم لا يحرمون ما حرم في القرآن وسنة الرسول.
والثاني : قال أبو روق : لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، بل حرفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم.
الصفة الرابعة : قوله :﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ يقال : فلان يدين بكذا، إذا اتخذه ديناً فهو معتقده، فقوله :﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق﴾ أي لا يعتقدون في صحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الأربعة قال :﴿مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ فبين بهذا أن المراد من الموصوفين بهذه الصفات الأربعة من كان من أهل الكتاب، والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم، لأن الواجب في المشركين القتال أو الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية.
ثم قال تعالى :﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :


الصفحة التالية
Icon