والثاني : وهو قول الأكثرين : أن الضمير في قوله :﴿فِيهِنَّ﴾ عائد إلى الأربعة الحرم قالوا : والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه : الأول : أن الضمير في قوله :﴿فِيهِنَّ﴾ عائد إلى المذكور السابق فوجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله :﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ الثاني : أن الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله :
﴿الحج أَشْهُرٌ معلومات فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾ [ البقرة : ١٩٧ ] فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضاً، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيهاً على زيادتها في الشرف.
الثالث : قال الفراء : الأولى رجوعها إلى الأربعة، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة ﴿فِيهِنَّ﴾ فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها : والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة، ويكنى عن جمع الكثرة، كما يكنى عن واحدة مؤنثة، كما قال حسان بن ثابت :
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى.. وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
قال : يلمعن ويقطرن، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة، ولو جمع جمع الكثرة لقال : تلمع وتقطر، هذا هو الاختيار، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم.. بهن فلول من قراع الكتائب
فقال بهن والسيوف جمع كثرة.
البحث الثاني : في تفسير هذا الظلم أقوال : الأول : المراد منه النسىء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهر آخر، ويغيرون تكاليف الله تعالى.
والثاني : أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر.


الصفحة التالية
Icon