وقال ابن العربى :
قَوْله تَعَالَى ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُزُولِ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إلَى الرُّومِ، وَكَانَتْ غَزْوَةً بَعِيدَةً فِي وَقْتٍ شَدِيدٍ مِنْ حَمَّارَةِ الْقَيْظِ، وَعَدُوًّا كَثِيرًا، اُسْتُنْفِرَ لَهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ :﴿ خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ : فِيهِ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ : شُبَّانٌ وَكُهُولٌ، مَا سَمِعَ اللَّهِ عُذْرَ أَحَدٍ ؛ فَخَرَجَ إلَى الشَّامِ فَجَاهَدَ حَتَّى مَاتَ.
الثَّانِي : شُبَّانًا وَشِيبًا.
الثَّالِثُ : فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ.
الرَّابِعُ : فِي الْفَرَاغِ وَالشُّغْلِ.
الْخَامِسُ : مَعَ الْكَسَلِ وَالنَّشَاطِ.
السَّادِسُ : رِجَالًا وَرُكْبَانًا.
السَّابِعُ : صَاحِبُ صَنْعَةٍ وَمَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ.
الثَّامِنُ : جَبَانًا وَشُجَاعًا.
التَّاسِعُ : ذَا عِيَالٍ وَمَنْ لَا عِيَالَ لَهُ.
الْعَاشِرُ : الثَّقِيلُ : الْجَيْشُ كُلُّهُ، وَالْخَفِيفُ : الْمُقَدَّمَةُ.
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا غَيْرُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى مَا بَقِيَ، وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْآيَةِ، لَكِنْ مِنْهُ مَا يَقْرُبُ، وَمِنْهُ مَا يَبْعُدُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : اُخْتُلِفَ فِي إحْكَامِ هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ نَسْخِهَا قَوْله عَلَى قَوْلَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي.