والجواب عن الثاني أن نقول : لا يجوز أن يقال : المراد بقوله ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ الإنكار لأنا نقول : إما أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب، فإن قلنا : إنه ما صدر عنه ذنب، امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله :﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ إنكار عليه، وإن قلنا : إنه كان قد صدر عنه ذنب، فقوله :﴿عَفَا الله عَنكَ﴾ يدل على حصول العفو عنه، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال : إن قوله :﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ يدل على كون الرسول مذنباً، وهذا جواب شاف قاطع.
وعند هذا، يحمل قوله :﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ على ترك الأولى والأكمل، لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا.
المسألة الثانية :
من الناس من قال : إن الرسول ﷺ، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع.
واحتج عليه بأن قوله :﴿فاعتبروا ياأولى الأبصار﴾ [ الحشر : ٢ ] أمر لأولي الأبصار بالاعتبار والاجتهاد، والرسول كان سيداً لهم، فكان داخلاً تحت هذا الأمر، ثم أكدوا ذلك بهذه الآية فقالوا : إما أن يقال إنه تعالى أذن له في ذلك الإذن أو منعه عنه، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه والأول باطل، وإلا امتنع أن يقول له لم أذنت لهم.