ووافقه عليه قوم فقالوا : ذكر العفو هنا لم يكن عن تقدم ذنب، وإنما هو استفتاح كلام جرت عادة العربان تخاطب بمثله لمن تعظمه وترفع من قدره، يقصدون بذلك الدعاء له فيقولون : أصلح الله الأمير كان كذا وكذا، فعلى هذا صيغته صيغة الخبر، ومعناه الدعاء انتهى.
ولم ولهم متعلقان بأذنت، لكنه اختلف مدلول اللامين، إذ لام لم للتعليل، ولام لهم للتبليغ، فجاز ذلك لاختلاف معنييهما.
ومتعلق الإذن غير مذكور، فما قدمناه يدل على أنه القعود أي : لم أذنت لهم في القعود والتخلف عن الغزو حتى تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له.
وقيل : متعلق الإذن هو الخروج معه للغزو، لما ترتب على خروجهم من المفاسد، لأنهم كانوا عيناً للكفار على المسلمين.
ويدل عليه قوله :﴿ وفيكم سماعون لهم ﴾ وكانوا يخذلون المؤمنين ويتمنون أن تكون الدائرة عليهم فقيل : لم أذنت لهم في إخراجهم وهم على هذه الحالة السيئة؟ وبيّن أنّ خروجهم معه ليس مصلحة بقوله :﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ﴾ وحتى غاية لما تضمنه الاستفهام أي : ما كان أن تأذن لهم حتى يتبين من له العذر، هكذا قدره الحوفي.
وقال أبو البقاء : حتى يتبين متعلق بمحذوف دل عليه الكلام تقديره : هلاّ أخرتهم إلى أن يتبين أو ليتبين.
وقوله : لم أذنت لهم يدل على المحذوف.
ولا يجوز أن تتعلق حتى بأذنت، لأن ذلك يوجب أن يكون أذن لهم إلى هذه الغاية، أو لأجل التبيين، وهذا لا يعاتب عليه انتهى.
وكلام الزمخشري في تفسير قوله : عفا الله عنك لم أذنت لهم، مما يجب اطراحه، فضلاً عن أن يذكر فيردّ عليه.
وقوله : الذين صدقوا أي : في استئذانك.
وأنك لو لم تأذن لهم خرجوا معك.
وتعلم الكاذبين : تريد في أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدك وهم كذبة، وقد عزموا على العصيان أذنت لهم أو لم تأذن.
وقال الطبري : حتى نعلم الصادقين في أنّ لهم عذراً، ونعلم الكاذبين في أنْ الأعذار لهم.
وقال قتادة : نزلت بعد هذه الآية آية النور، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذنْ لمن شئت منهم.
وهذا غلط، لأنّ النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين الرسول في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات، فأباح الله أن يأذن، فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ ٥ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon