عنه الناس، وقد ائتمروا بما يأتمر به الناس ؛ وهذه الأسنان الخالية عند أولي البصائر، وخاص خطابها أشد ظهوراً من أسنان الأبدان عند أصحاب الأبصار، وعدم التبصرة بهذه المراتب في الأحوال والبيان هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن، وكذلك ما فوق سن " الذين آمنوا " من سن ﴿الذين يؤمنون﴾ وهم في أول حد القرب منزلة بلوغ الأشد، وسن ﴿الذين آمنوا﴾ و ﴿الناس﴾ في مدد حد البعد ولذلك يخاطبون بحرف " يا " المرسلة إلى حد البعد :
﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله﴾ [ الصف : ١٠ ] وفوق ذلك سن المؤمنين وأدنى قرباً، ولذلك لم يرد في القرآن في خطابهم ﴿يا﴾ البعد، وهذا السن بمنزلة الاكتهال وسن الشيب، وتمام سنهم ﴿المؤمنون حقاً﴾ وكذلك إلى سن ﴿المحسنين﴾ إلى غيب سن ﴿الموقنين﴾ إلى ما وراء ذلك، فإن أسنان الجسم أرابيع، وأسنان القلب أسابيع، يعرفها من تطور فيها، ويجهلها من نبت سن قلبه على الجهل وتطور سن جسمه إلى الهرم " يهرم ابن آدم ويشيب منه اثنتان : الحرص والأمل " فالحرص فقره ولو ملك الدنيا، والأمل همه وتعبه، فمن لم يتحقق أسنان القلب وتفاوت خطابها لم ينفتح له الباب إلى فهم القرآن، ومن لم يتضح له تنزلات الخطاب لم يبن له خطاب الله من خطاب الرحمن من خطاب الملك الديان - انتهى.
ولما بين ما لمن صدقه باطناً أو ظاهراً من الرحمة، بين ما على من كذبه فآذاه من النقمة فقال :﴿والذين يؤذون﴾ أي هؤلاء ومن غيرهم ﴿رسول الله﴾ أي الذي أظهر - وهو الملك الأعلى - شرفه وعظمته بالجمع بين الوصفين وأعلاه بإضافته إليه، وزاد في رفعته بالتبير باسمه الأعظم الجامع، وهو واسطة بين الحق والخلق في إصلاح أحوالهم فإنما يستحق منهم الشكر والإكرام لا الأذى والإيلام.
ولما كان أذاهم مؤلماً جعل جزاءهم من جنسه فقال :﴿لهم عذاب أليم﴾ ثم علل ذلك باستهانتهم بالله ورسوله، وأخبر أنهم يخشون على دمائهم فيصلحون ظواهرهم حفظاً لها بالأيمان الكاذبة فقال :﴿يحلفون بالله﴾. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٣ صـ ٣٣٨ ـ ٣٤١﴾


الصفحة التالية
Icon