فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر رضي الله عنه منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدين.
فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه :" لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً "
فإن قيل : كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافراً وقد مات على كفره، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الإجلال والتعظيم له، وأيضاً إذا صلى عليه فقد دعا له، وذلك محظور، لأنه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكفار ألبتة، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه ؟
والجواب : لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى الإيمان، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر، فلما رأى منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على دخوله في الإسلام، غلب على ظنه أنه صار مسلماً، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه، فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه، امتنع من الصلاة عليه.
وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوهاً : الأول : أن العباس عم رسول الله ﷺ لما أخذ أسيراً ببدر، لم يجدوا له قميصاً، وكان رجلاً طويلاً، فكساه عبد الله قميصه.
الثاني : أن المشركين قالوا له يوم الحديبية، إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك، فقال لا، إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله له ذلك.
والثالث : أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً بقوله :
﴿وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [ الضحى : ١٠ ] فلما طلب القميص منه دفعه إليه لهذا المعنى.
الرابع : أن منع القميص لا يليق بأهل الكرم.
الخامس : أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، كان من الصالحين، وأن الرسول أكرمه لمكان ابنه.


الصفحة التالية
Icon