وقال ابن العربى :
قَوْله تَعَالَى ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾.
وَمَعْنَاهُ : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى اعْتِقَادِ تَقْوَى حَقِيقَةٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ؟ وَإِنْ كَانَ قَصَدَ بِهِ التَّقْوَى، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ : الْعَسَلُ أَحْلَى مِنْ الْخَلِّ، فَإِنَّ الْخَلَّ حُلْوٌ، كَمَا أَنَّ الْعَسَلَ حُلْوٌ ؛ وَكُلُّ شَيْءٍ مُلَائِمٌ فَهُوَ حُلْوٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ : احْلَوْلَى الْعِشْقُ، أَيْ كَانَ حُلْوًا، لِكَوْنِهِ إمَّا عَلَى مُقْتَضَى اللَّذَّةِ أَوْ مُوَافَقَةِ الْأُمْنِيَةِ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُقَدِّمُ الْخَلَّ عَلَى الْعَسَلِ، مُفْرَدًا بِمُفْرَدٍ وَمُضَافًا إلَى غَيْرِهِ بِمُضَافٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى ﴿ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ : قِيلَ : إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ﴿ وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَهُدِمَ رُئِيَ الدُّخَانُ يَخْرُجُ مِنْهُ ﴾، مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ : حَتَّى رُئِيَ الدُّخَانُ فِي زَمَانِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ.
وَقِيلَ : هَذَا مَجَازٌ، الْمَعْنَى أَنَّ مَآلَهُ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ، فَكَأَنَّهُ انْهَارَ إلَيْهِ، وَهَوَى فِيهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ :﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّارَ تَحْتُ، كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقُ.


الصفحة التالية
Icon