واختلفوا في أنه هل دخل تحت هذه الآية مجاهدة الأعداء بالحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا ؟ فمنهم من قال : هو مختص بالجهاد بالمقاتلة، لأنه تعالى فسر تلك المبايعة بالمقاتلة بقوله :﴿يقاتلون فِى سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ومنهم من قال : كل أنواع الجهاد داخل فيه، بدليل الخبر الذي رويناه عن عبد الله بن رواحة.
وأيضاً فالجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل آثاراً من القتال، ولذلك قال ﷺ لعلي رضي الله عنه :" لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس " ولأن الجهاد بالمقاتلة لا يحسن أثرها إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة.
وأما الجهاد بالحجة فإنه غني عن الجهاد بالمقاتلة.
والأنفس جوهرها جوهر شريف خصه الله تعالى بمزيد الإكرام في هذا العالم، ولا فساد في ذاته، إنما الفساد في الصفة القائمة به، وهي الكفر والجهل.
ومتى أمكن إزالة الصفة الفاسدة، مع إبقاء الذات والجوهر كان أولى.
ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه، لا جرم حث الشرع على إبقائه، فقال :
" هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به " فالجهاد بالحجة يجري مجرى الدباغة، وهو إبقاء الذات مع إزالة الصفة الفاسدة، والجهاد بالمقاتلة يجري مجرى إفناء الذات، فكان المقام الأول أولى وأفضل.
ثم قال تعالى :﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي التوراة والإنجيل والقرءان﴾ قال الزجاج : نصب ﴿وَعْداً﴾ على المعنى، لأن معنى قوله :﴿بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ أنه وعدهم الجنة، فكان وعداً مصدراً مؤكداً.
واختلفوا في أن هذا الذي حصل في الكتب ما هو ؟
فالقول الأول : أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت، فقد أثبته الله في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن.