وقال ابن عطية :
﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾
هذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التخلف عن رسول الله ﷺ في غزوه، وقوة الكلام تعطى الأمر بصحبته إلى توجهه غازياً وبذل النفوس دونه، واختلف المتأولون فقال قتادة : كان هذا الإلزام خاصاً مع النبي ﷺ ووجوب النفر إلى الغزو إذا خرج هو بنفسه ولم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء، وقال زيد بن أسلم : كان هذا الأمر والإلزام في قلة الإسلام والاحتياج إلى اتصال الأيدي ثم نسخ عند قوة الإسلام بقوله :﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ [ التوبة : ١١٢ ].
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله في الأنبعاث إلى غزو العدو على الدخول في الإسلام، وأما إذا ألم العدو بجهة فمتعين على كل أحد القيام بذبه ومكافحته، وأما قوله تعالى ﴿ ولا يرغبوا بأنفسهم ﴾ فمعناه أن لا يحتمل رسول الله ﷺ في الله مشقة ويجود بنفسه في سبيل الله فيقع منهم شح على أنفسهم ويكعون عما دخل هو فيه، ثم ذكر تعالى لِمَ لَمْ يكن لهم التخلف عن رسول الله ﷺ، بقوله :﴿ ذلك بأنهم ﴾.. الآية و" النصب " التعب. ومنه قول النابغة :[ الطويل ]
كليني لهم يا أميمة ناصبِ... أي ذي نصب. ومنه قوله تعالى :﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ [ الكهف : ٦٢ ] و" المخمصة " مفعلة من خموص البطن وهي ضموره، واستعير ذلك لحالة الجوع إذ الخموص ملازم له، ومن ذلك قول الأعشى :[ الطويل ]
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم... وجاراتكم غرثى يبتنَ خمائصا