وقال ابن الجوزى :
﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ ﴾
قال ابن عباس : يعني : مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، ﴿ أن يتخلَّفوا عن رسول الله ﴾ في غزوة غزاها، ﴿ ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ﴾ لا يرضَوا لأنفسهم بالخفض والدَّعَة ورسول الله في الحرِّ والمشقة.
يقال : رغبت بنفسي عن الشيء : إذا ترفعت عنه.
قوله تعالى :﴿ ذلك ﴾ أي : ذلك النهي عن التخلُّف ﴿ بأنهم لا يصيبهم ظمأٌ ﴾ وهو العطش ﴿ ولا نصب ﴾ وهو التعب ﴿ ولا مخمصة ﴾ وهو المجاعة ﴿ ولا ينالون من عدو نيلاً ﴾ أسراً أو قتلا أو هزيمة، فأعلمهم الله أن يجازيهم على جميع ذلك.
قوله تعالى :﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ قال ابن عباس : تمرة فما فوقها.
﴿ ولا يقطعون وادياً ﴾ مقبلين أو مدبرين ﴿ إلا كُتب لهم ﴾ أي : أُثبت لهم أجر ذلك.
﴿ ليجزيَهم الله أحسن ﴾ أي : بأحسن ﴿ ما كانوا يعملون ﴾.

فصل


قال شيخنا علي بن عبيد الله : اختلف المفسرون في هذه الآية، فقالت طائفة : كان في أول الأمر لا يجوز التخلُّف عن رسول الله ﷺ حين كان الجهاد يلزم الكل ؛ ثم نسخ ذلك بقوله :﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافةً ﴾ [ التوبة : ٢٢ ] ؛ وقالت طائفة : فرض الله تعالى على جميع المؤمنين في زمان النبي ﷺ ممن لا عذر له الخروج معه لشيئين.
أحدهما : أنه من الواجب عليهم أن يَقُوه بأنفسهم.
والثاني : أنه إذا خرج الرسول فقد خرج الدِّين كلُّه، فأُمروا بالتظاهر لئلا يقلَّ العدد، وهذا الحكم باقٍ إلى وقتنا ؛ فلو خرج أمير المؤمنين إلى الجهاد، وجب على عامة المسلمين متابعته لما ذكرنا.
فعلى هذا، الآية محكمة.
قال أبو سليمان : لكل آية وجهها.
وليس للنسخ على إحدى الآيتين طريق. أ هـ ﴿زاد المسير حـ ٣ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon