ثم قلت معه :"لا" أي ما فعلته، ففيه تنبيه على وجوب الفعل، وتنبيه على أنه حصل الإخلال بهذا الواجب، وهكذا الكلام في "لولا" لأنك إذا قلت : لولا دخلت علي، ولولا أكلت عندي.
فمعناه أيضاً عرض وإخبار عن سرورك به، لو فعل، وهكذا الكلام في "لوما" ومنه قوله :
﴿لومَا تَأْتِينَا بالملئكة﴾ [ الحجر : ٧ ] فثبت أن لولا وهلا ولوما ألفاظ متقاربة، والمقصود من الكل الترغيب والتحضيض فقوله :﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أي فهلا فعلوا ذلك.
المسألة الثالثة :
هذه الآية حجة قوية لمن يرى أن خبر الواحد حجة، وقد أطنبنا في تقريره في كتاب "المحصول من الأصول"، والذي نقوله ههنا أن كل ثلاثة ؛ فرقة.
وقد أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة يكون اثنين أو واحداً، فوجب أن يكون الطائفة إما اثنين وإما واحداً، ثم إنه تعالى أوجب العمل بأخبارهم لأن قوله :﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ عبارة عن أخبارهم.
وقوله :﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ إيجاب على قومهم أن يعلموا بأخبارهم، وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في الشرع.
قال القاضي : هذه الآية لا تدل على وجوب العمل بخبر الواحد، لأن الطائفة قد تكون جماعة يقع بخبرها الحجة، ولأن قوله :﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ يصح وإن لم يجب القبول كما أن الشاهد الواحد يلزمه الشهادة، وإن لم يلزم القبول، ولأن الإنذار يتضمن التخويف، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل به.
والجواب : أما قوله :﴿الطائفة﴾ قد تكون جماعة، فجوابه : أنا بينا أن كل ثلاثة فرقة، فلما أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة لزم كون الطائفة، إما اثنين أو واحداً، وذلك يبطل كون الطائفة جماعة يحصل العلم بخبرهم.
فإن قالوا : إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف ولعلهم بلغوا في الكثرة إلى حيث يحصل العلم بقولهم.


الصفحة التالية
Icon