ولما كان البغي قد يكون بحق مثل هدم دور الكفرة والمعاندين وقطع أشجارهم وحرق زروعهم عند ما يستولي المسلمون عليها عنوة، كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في يهود بني قريظة الآتية قصتهم في الآية ٢٦ من سورة الأحزاب، والآية ٥ من سورة الحشر، ويكون بغير حق كأخذ مال الغير ظلما ومجاوزة حدود اللّه تعالى عتوا، قيّد تبارك وتعالى البغي في هذه الآية بغير الحق لأنه مذموم، وقد يكون البغي ممدوحا وهو مجاوزة العدل إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع، والقصاص إلى العفو، والحق إلى السماح، لأن معناه اللغوي مجاوزة الحد مطلقا، وقد تكون هذه المجاوزة في الخير كما ذكرنا فيكون ممدوحا، وقد يكون في الباطل فيكون مذموما، وهو بمعناه هذا من أعظم منكرات الذنوب، لأن معناه الاصطلاحي الإفساد والتجاوز على أموال الناس وأنفسهم، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما، وقد نظم بعضهم معنى هذه الجملة في بيتين من الشعر وكان الخليفة المأمون العباسي رحمه اللّه يتمثل بهما وهما :
يا صاحب البغي إن البغي مصرعه فارجع فخير مقال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل لا ندك منه أعاليه وأسفله
وقال أيضا :
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا جنوده ضاق عنها السهل والجبل
ونظمها أيضا الشهاب فقال :
إن يعد ذو بغي عليك فخله وارقب زمانا لانتقام باغي
واحذر من البغي الوخيم فلو بغى جبل على جبل لدك الباغي
وأقبح أنواع البغي في الحكام قال بهرام وهو لا يعرف الإسلام : أسد حطوم خير من ملك غشوم، وملك غشوم خير من فتنة تدوم، فكيف بمن هو مسلم مؤمن ؟ وإن العقلاء حذّروا من غلطة السلطان العادل فكيف بغيره ؟ قال الإسكندر :
على العاقل أن يكون مع السلطان كراكب سفينة، إن سلم جسمه من الفرق لم يسلم قلبه من الخوف.
أخرج أبو نعيم والخطيب والديلمي عن أنس قال :