ومن جملة تنزيهه تعالى نسبته للعلو، ولذلك يرفع الإنسان يديه نحو السماء في الدعاء أي إلى الخزانة المشار إليها في قوله تعالى (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) الآية ٢٢ من سورة الذاريات الآتية فراجعها، لا لكونه جل جلاله فيها، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا، وقدمنا ما يتعلق في هذا في الآية ١٣ من سورة طه المارة في ج ١، ولهذا البحث صلة في الآية ١٨ من سورة الأنعام الآتية، قال تعالى "فَذلِكُمُ" الذي يفعل هذه الأشياء الجليلة هو "اللَّهُ رَبُّكُمُ" أيها الناس الإله "الْحَقُّ" الذي لا ريب فيه المستحق للعبادة وحده "فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ" الصريح الثابت أيها الناس "إِلَّا الضَّلالُ" الباطل، إذ لا واسطة بين الحق والباطل، وكذلك لا واسطة بين الإيمان والكفر ولا الجنة والنار، فالذي يتصف به العبد إما حقّا أو باطلا ومن أخطأ أحدهما وقع في الآخر لا محالة، لأن من وقاه اللّه من النار أدخله الجنة، ومن خصه بالإيمان عصمه من الكفر، وهكذا "فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ٣٢" عن الحق إلى الضلال ومن التوحيد إلى الشرك ؟ سئل مالك رحمه اللّه عن شهادة لاعب الشطرنج والنرد، فقال أما من أدمن فما أرى شهادتهم طائلة، يقول اللّه تعالى (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) فهذا كله في الضلال.
والصارف في الحقيقة هو اللّه تعالى، والإنكار والتعجب متوجهان إلى منشأ الصرف،