وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن الفضل محمد صلى اللّه عليه وسلم والرحمة علي عليه السلام وهو كرم اللّه وجهه وإن كان رحمة جليلة لهذه الأمة إلا أن المقام لا يناسب التفسير بذلك، كما أن اللّه تعالى لم يطلق الفضل على رسوله محمد بالقرآن، ولهذا فالأولى بالتفسير هو ما ذكرناه واللّه أعلم.
وفي هذه الآية دلالة على الاستشفاء بالقرآن العظيم، ولا شك أنه بركة جليلة قد يذهب اللّه تعالى به الأمراض الحسية والمعنوية، وهذا مما لا ينكره أحد إلا قليل الاعتقاد، وقدمنا ما يتعلق في هذا عند الآية ٨٢ من سورة الإسراء المارة في ج ١، "قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ" هذا عامّ في كل ما نزل من السماء أو خرج من الأرض أو كان مما بينهما أو حصل من حيوان وطير وحوت وسائر ما به نفعكم أيها الناس "فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا" بأن بعضتموه وقسمتموه، وهو ما ذكره اللّه تعالى فى الآيات من ١٣٦ - ١٤٠ من سورة الانعام الآتية من تخصيص بعض الحيوان والحرث لأناس دون غيرهم وتحريم بعض الحيوان كالبحيرة والسائبة والوصيلة وغيرها من تلقاء أنفسهم، كما ستجد تفصيله بمحله إن شاء اللّه، فيا أكمل الرسل "قُلْ" لهؤلاء المستبدين بالتحليل والتحريم والتخصيص والإباحة "آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ" بذلك أم تلقيتموه عن رسوله أم من كتابه "أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩" فتنسبونه إليه دون أن يأذن لكم به، وبما أنه تعالى لم يأمر بذلك ولم ينزّل به شيئا على رسوله فأنتم كاذبون مختلقون لزعمكم في قولكم (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) كما مر في الآية ٢٧ من سورة الأعراف المارة في ج ١.
مطلب الحرام رزق مثل الحلال وقول المعتزلة فيه والرد عليهم.


الصفحة التالية
Icon