و المكان الذي اتفقا عليه كما مرت الإشارة إليه في سورة الشعراء وطه في الآيات ٣٧/ ٧٥ فما بعدها المارات في ج ١ "فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ٨٠" تقدم سبب تقديمهم له في السورتين المذكورتين، وهو بإلهام من اللّه، لأن سحرهم لا يؤثر بعصا موسى لو ألقاها أولا بخلاف ما لو ألقاها بعدهم، لأنها تؤثر في سحرهم، ولو لا هذا التقديم لقال الجهال، وكلهم إذ ذاك جهال ما غلب موسى السحرة فقط
"فَلَمَّا أَلْقَوْا" ما معهم من الحبال والعصي المطلية بالزئبق والمحشوة به قبل طلوع الشمس حتى رآها الناس على حالها، ثم صاروا يدمدمون عليها حتى طرقتها حرارة الشمس، فصارت تتحرك كما مرت الإشارة إليه في تلك السورتين والآية ١٢٦ من الأعراف المارة في ج ١ أيضا، وبهذه الصورة موهوا على الناس بأنها انقلبت حيات وجبالا "قالَ مُوسى " مخاطبا للسحرة بعد أن ألقى عصاه، وصارت تلقف الزئبق المطلي بعصيّهم وحبالهم بقدرة اللّه تعالى الذي جعل فيها قوة جاذبة لذلك الزئبق كالمغناطيس في جذب الحديد "ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ" هو الشيء الباطل بعينه "إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ" ويفضحكم بمحقه بالكلية حتى يكون لا أثر ولا عين بالحق الذي آتانيه ربي قطعا لمادة الفساد "إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ٨١" لا يحسنه ولا يقوّيه ولا يثبته ولا يؤيده وقدمنا في الآية ٥٢ من سورة الشعراء ما يتعلق بالسحر فراجعه "وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ" يثبته ويقوّيه ويجعله ما حقا للباطل ومرهقا لأهله، ويظهره "بِكَلِماتِهِ" التي وعد بها أنبياء بالنصر وإعلاء الكلمة "وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ٨٢" ذلك، فإنه يوقعه فيهم ويوجبه عليهم قال تعالى "فَما آمَنَ لِمُوسى " بعد ظهور هذه المعجزات الواضحة على يده وخيبة ما أمله فرعون من سحرته الذين آمنوا بموسى لما عرفوا