وما قيل إن الضمير في ملائهم راجع إلى فرعون على سبيل التعظيم كما هو العادة في ضمائر العظمة، مردود، لأن ذلك خاص بضمير المتكلم، مثل نحن والمخاطب كما في قوله "رَبِّ ارْجِعُونِ" الآية ٩٩ من سورة المؤمنون الآتية، وقوله إلا فارحمون يا آل محمد، ولم ينقل أن ذلك يكون في ضمير الغائب كما هنا، وما قيل إنه جمع الضمير باعتبار عوده إلى فرعون وآله مردود أيضا، لأن هذا يكون في القبيلة وأبيها إذ يطلق اسم الأب عليهم، وفرعون ليس كذلك، قال تعالى "وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ" في مصر خاصة وهكذا كلما جاءت هذه اللفظة فلا تنصرف إلى غيرها كما مر أي أنه غالب عليها وقاهر أهلها متكبر جبار "وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ٨٣" المتجاوزين حدود اللّه المبالغين في الظلم لأنه كان عبدا فادعى الربوبية وكان كثير القتل والتعذيب للناس
"وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ" إيمانا خالصا "فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا" وامضوا معي ولا تخافوا من فرعون فإن اللّه عاصمكم منه وثقوا بكلامي فان اللّه تعالى ناصري عليه ومهلكه وقومه فاستسلموا لأمر اللّه "إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ٨٤" له منقادين لأمره تابعين لإرادته فاذا كنتم موصوفين بالإيمان المحض القلبي المذكور في هذه الآية وبالإسلام الظاهري الذي هو مطلق الإذعان المذكور فيها، فامتثلوا قولي وهذا هو كمال الإيمان، لأن من يؤمن باللّه إيمانا حقيقيا لا يتوكل على غيره "فَقالُوا" مجيبين له "عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا" لا على غيره، ثم ابتهلوا إلى ربهم فقالوا "رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً" محلا لها بأن تسلطهم علينا فيصرفونا عن دينتا أو يعذبونا فيردونا قسرا عنه فيقول فرعون لو كانوا على الحق لما سلط عليهم، ولم يصابوا بعذابه، فيظنوا أنهم