"آمَنَتْ" عند معاينة العذاب "فَنَفَعَها إِيمانُها" حال اليأس، ولا يرد على هذا عدم قبول إيمان فرعون، لأنه لم يفارقه النبي الذي أرسل لإرشاده حتى أدركه الغرق، أما هؤلاء فإن نبيهم بعد أن أنذرهم بنزول العذاب تركهم كما سيأتي في القصة.
مطلب في المشيئة والاستثناء وقصة يونس عليه السلام :
وقد سبق في علم اللّه تعالى صدق نيتهم في توبتهم قبل إحاطة العذاب فيهم، كما سنوضحه لك قريبا، بخلاف فرعون لأنه في تلك الحالة الرهيبة لم يزل شاكا كما تقدم في الآية ٩٠ المارة حتى مات "إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ" استثناء متصل، لأن الجملة في معنى النفي، أي ما آمنت قرية من القرى الهالكة فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا نفعهم إيمانهم، وقوم منصوب على أصل الاستثناء وإذا رفعت (قوم) على القراءة الأخرى كان الاستثناء منقطعا، ويكون المعنى لكن قوم يونس نفعهم إيمانهم "لَمَّا آمَنُوا" إيمانا خالصا لا يشم منه رائحة شك أو غيره ولذلك "كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ" الذلّ والهوان "فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" بخلاف غيرهم إذ استأصلناهم بالعذاب لعدم صدق نيتهم وصحة إخلاصهم، وقد سبق في علم اللّه أن الذين استؤصلوا لو أجاب دعاءهم ورفع عنهم العذاب لردوا إلى ما نهوا عنه، أما هؤلاء فكان في علمه الأزلي إخلاصهم للّه في توبتهم، لذلك رفعنا عنهم العذاب "وَمَتَّعْناهُمْ" في الدنيا بعده "إِلى حِينٍ ٩٧" انقضاء أجلهم المقدر لمكثهم فيها، وهو الأجل المبرم المقدّر على حسن توبتهم ونيتهم ولو لا ذلك لأهلكوا بالأجل المعلق المقدر على عدم توبتهم ورجوعهم إلى اللّه، راجع الآية ٢ من سورة الأنعام الآتية.