الاستدلال بأحوال الشمس والقمر على وجود الصانع المقدر هو أن يقال : الأجسام في ذواتها متماثلة، وفي ماهياتها متساوية، ومتى كان الأمر كذلك كان اختصاص جسم الشمس بضوئه الباهر وشعاعه القاهر، واختصاص جسم القمر بنوره المخصوص لأجل الفاعل الحكيم المختار، أما بيان أن الأجسام متماثلة في ذواتها وماهياتها، فالدليل عليه أن الأجسام لا شك أنها متساوية في الحجمية والتحيز والجرمية، فلو خالف بعضها بعضاً لكانت تلك المخالفة في أمر وراء الحجمية والجرمية ضرورة أن ما به المخالفة غير ما به المشاركة، وإذا كان كذلك فنقول أن ما به حصلت المخالفة من الأجسام إما أن يكون صفة لها أو موصوفاً بها أو لا صفة لها ولا موصوفاً بها والكل باطل.
أما القسم الأول : فلأن ما به حصلت المخالفة لو كانت صفات قائمة بتلك الذوات، فتكون الذوات في أنفسها، مع قطع النظر عن تلك الصفات، متساوية في تمام الماهية، وإذا كان الأمر كذلك، فكل ما يصح على جسم، وجب أن يصح على كل جسم، وذلك هو المطلوب.
وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الذي به خالف بعض الأجسام بعضاً، أمور موصوفة بالجسمية والتحيز والمقدار.
فنقول : هذا أيضاً باطل.
لأن ذلك الموصوف، إما أن يكون حجماً ومتحيزاً أو لا يكون، والأول باطل، وإلا لزم افتقاره إلى محل آخر، ويستمر ذلك إلى غير النهاية.
وأيضاً فعلى هذا التقدير يكون المحل مثلاً للحال، ولم يكن كون أحدهما محلاً والآخر حالاً، أولى من العكس، فيلزم كون كل واحد منهما محلاً للآخر وحالاً فيه، وذلك محال، وأما إن كان ذلك المحل غير متحيز، وله حجم.
فنقول : مثل هذا الشيء لا يكون له اختصاص بحيز ولا تعلق بجهة والجسم مختص بالحيز، وحاصل في الجهة، والشيء الذي يكون واجب الحصول في الحيز والجهة، يمتنع أن يكون حالاً في الشيء الذي يمتنع حصوله في الحيز والجهة.


الصفحة التالية
Icon