واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم، إلا أن البيان التام أن يقال : كل من كان مؤمناً بالبعث والنشور فإنه لا بد وأن يكون راجياً ثواب الله وخائفاً من عقابه، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث.
فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة.
البحث الثاني : أنهم طلبوا من رسول الله ﷺ أحد أمرين على البدل : فالأول : أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن.
والثاني : أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئاً واحداً.
وأيضاً مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه عليه الصلاة والسلام اقتصر في الجواب على نفي أحدهما، وهو قوله :﴿مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى﴾ وإذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر، كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلاً.
والجواب : أن أحد الأمرين غير الآخر، فالإتيان بكتاب آخر، لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، يكون إتياناً بقرآن آخر، وأما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها، ومكان آية رحمة آية عذاب، كان هذا تبديلاً، أو نقول : الإتيان بقرآن غير هذا هو أن يأتيهم بكتاب آخر سوى هذا الكتاب.
مع كون هذا الكتاب باقياً بحاله، والتبديل هو أن يغير هذا الكتاب.
وأما قوله : إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد القسمين.
قلنا : الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني.
وإذا كان كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني.