روي عن النبي ﷺ أنه قال :" إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب " وهذا يدل على قوم تمسكوا بالإيمان قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر ؟ وإذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة إما في الكفر وإما في الإيمان، وأنهم ما كانوا أمة واحدة في الكفر، ثبت أنهم كانوا أمة واحدة في الإيمان، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك ؟ فقال ابن عباس ومجاهد كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده، واختلفوا عند قتل أحد ابنيه الابن الثاني، وقال قوم : إنهم بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح، وكانوا عشرة قرون.
ثم اختلفوا على عهد نوح.
فبعث الله تعالى إليهم نوحاً.
وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق، إلى أن ظهر الكفر فيهم.
وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي، وهذا القائل قال : المراد من الناس في قوله تعالى :﴿وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فاختلفوا العرب خاصة.
إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول : إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول بعبادة الأصنام بالدليل الذي قررناه، بين في هذه الآية أن هذا المذهب ليس مذهباً للعرب من أول الأمر، بل كانوا على دين الإسلام، ونفي عبادة الأصنام.
ثم حذف هذا المذهب الفاسد فيهم، والغرض منه أن العرب إذا علموا أن هذا المذهب ما كان أصلياً فيهم، وأنه إنما حدث بعد أن لم يكن، لم يتعصبوا لنصرته، ولم يتأذوا من تزييف هذا المذهب، ولم تنفر طباعهم من إبطاله.
ومما يقوي هذا القول وجهان : الأول : أنه تعالى قال :﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله﴾ [ يونس : ١٨ ] ثم بالغ في إبطاله بالدليل.


الصفحة التالية
Icon