وقال أبو حيان :
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾
لما نفى تعالى أن يكون القرآن مفترى، بل جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتب وبياناً لما فيها، ذكر أعظم دليل على أنه من عند الله وهو الإعجاز الذي اشتمل عليه، فأبطل بذلك دعواهم افتراءه، وتقدم الكلام على ذلك مشبعاً في البقرة في قوله :﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ الآية.
وأم متضمنة معنى بل، والهمزة على مذهب سيبويه أي : بل أيقولون اختلقه.
والهمزة تقرير لالتزام الحجة عليهم، أو إنكار لقولهم واستبعاد.
وقالت فرقة : أم هذه بمنزلة همزة الاستفهام.
وقال أبو عبيدة : أم بمعنى الواو ومجازه، ويقولون افتراه.
وقيل : الميم صلة، والتقدير أيقولون.
وقيل : أم هي المعادلة للهمزة، وحذفت الجملة قبلها والتقدير : أيقرون به أم يقولون افتراه.
وجعل الزمخشري قل فأتوا جملة شرط محذوفة فقال : قل إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا أنتم على وجه الافتراء بسورة مثله، فأنتم مثله في العربية والفصاحة والألمعية، فأتوا بسورة مثله شبيهة به في البلاغة وحسن النظم انتهى.
والضمير في مثله عائد على القرآن أي : بسورة مماثلة للقرآن، وتقدم الكلام لنا فيما وقع به الإعجاز.
وقرأ عمرو بن قائد بسورة مثله على الإضافة أي : بسورة كتاب أو كلام مثله أي : مثل القرآن.
وقال صاحب اللوامح : هذا مما حذف الموصوف منه وأقيمت الصفة مقامه أي : بصورة بشر مثله، فالهاء في ذلك واقعة إلى النبي ( ﷺ )، وفي العامة إلى القرآن.
وادعوا من استطعتم أن تدعوه من خلق الله إلى الاستعانة على الإتيان بمثله من دون الله أي : من غير الله، لأنه لا يقدر على أن يأتي بمثله أحد إلا الله، فلا تستعينوه وحده، واستعينوا بكل من دونه إن كنتم صادقين في أنه افتراه.


الصفحة التالية
Icon