وقال أبو السعود :
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ ﴾
إشارةٌ إلى أن ما حكيَ عنهم من عدم اهتدائِهم إلى طريق الحقِّ وتعطّلِ مشاعرِهم من الإدراك ليس لأمر مستندٍ إلى الله عز وجل من خلقهم مؤفي المشاعرِ ونحو ذلك بل إنما هو من قِبلهم أي لا ينقُصهم ﴿ شَيْئاً ﴾ مما نيط به مصالحُهم الدينيةُ والدنيويةُ وكمالاتُهم الأولويةُ والأُخْروية من مبادىء إدراكِهم وأسبابِ علومِهم من المشاعر الظاهرةِ والباطنةِ والإرشادِ إلى الحق بإرسال الرسلِ وإنزالِ الكتب بل يوفيهم ذلك من غير إخلالٍ بشيء أصلاً ﴿ ولكن الناس ﴾ وقرىء بالتخفيف ورفعِ الناس، وضع الظاهرُ موضَع الضمير لزيادة تعيينٍ وتقريرٍ، أي لكنهم بعدم استعمالِ مشاعِرهم فيما خُلقت له وإعراضِهم عن قبول دعوةِ الحق وتكذيبِهم للرسل والكتب ﴿ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ أي ينقُصون ما ينقصون مما يُخِلّون به من مبادىء كمالِهم وذرائعِ اهتدائِهم، وإنما لم يُذكر لما أن مرمى الغرضِ إنما هو قصرُ الظلمِ على أنفسهم لا بيانُ ما يتعلق به الظلمُ، والتعبيرُ عن فعلهم بالنقص مع كونِه تفويتاً بالكلية وإبطالاً بالمرة لمراعاة جانبِ قرينتِه، قولُه عز وجل :﴿ أَنفُسِهِمْ ﴾ إما تأكيدٌ للناس فيكونُ بمنزلة ضمير الفصلِ في قوله تعالى :﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين ﴾ في قصر الظالمية عليهم وإما مفعولٌ ليظلمون حسبما وقع سائر المواقع، وتقديمُه عليه لمجرد الاهتمامِ به مع مراعاة الفاصلةِ من غير قصدٍ إلى قصر المظلوميةِ عليهم على رأي من لا يرى التقديمَ موجباً للقصر فيكون كما في قوله تعالى :﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ من غير قصر للظلم لا على الفاعل ولا على المفعول، وأما على رأي من يراه موجباً له فلعل إيثارَ قصرِها دون قصرِ الظالمية عليهم للمبالغة في بيان بطلان أفعالِهم وسخافةِ عقولِهم لما أن أقبحَ الأمرين عند اتحادِ الفاعلِ والمفعولِ وأشدَّهما إنكاراً عند العقل ونفرةً لدى الطبع وأوجبَهما حذراً منه عند كل


الصفحة التالية