والثاني : أنه لو أراد ذلك لكان الكفار مطيعين لله تعالى بسبب كفرهم، لأنه لا معنى للطاعة إلا الإتيان بما يوافق الإرادة ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء عليهم بطمس الأموال وشد القلوب، والثالث : أنا لو جوزنا أن يريد إضلال العباد، لجوزنا أن يبعث الأنبياء عليهم السلام للدعاء إلى الضلال، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين المضلين بإظهار المعجزات عليهم، وفيه هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن والرابع : أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام :﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ [ طه : ٤٤ ] وأن يقول :﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين وَنَقْصٍ مّن الثمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [ الأعراف : ١٣٠ ] ثم إنه تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلوا، لأن ذلك كالمناقضة، فلا بد من حمل أحدهما على موافقة الآخر.
الخامس : أنه لا يجوز أن يقال : إن موسى عليه السلام دعا ربه بأن يطمس على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع تشدده في إرادة الإيمان.
واعلم أنا بالغنا في تكثير هذه الوجوه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
وإذا ثبت هذا فنقول : وجب تأويل هذه الكلمة وذلك من وجوه : الأول : أن اللام في قوله ﴿لِيُضِلُّواْ﴾ لام العاقبة كقوله تعالى :﴿فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [ القصص : ٨ ] ولما كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال، وقد أعلمه الله تعالى، لا جرم عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ.
الثاني : أن قوله :﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ أي لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذف لا لدلالة المعقول عليه كقوله :﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [ النساء : ١٧٦ ] والمراد أن لا تضلوا، وكقوله تعالى :﴿قَالُواْ بلى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة﴾ [ الأعراف : ١٧٢ ] والمراد لئلا تقولوا، ومثل هذا الحذف كثير في الكلام.


الصفحة التالية
Icon