ثم قال :﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ قال الأزهري : الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته.
واعلم أن العرب إذا وصفوا إنساناً بالذلة والخضوع قالوا : ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي أنه مطيع له، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله :﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته، ومنقاد لقضائه وقدره.
ثم قال :﴿إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ وفيه وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال :﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم فأتبعه بقوله :﴿إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي أنه وإن كان قادراً عليهم لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب، قالت المعتزلة قوله :﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ يدل على التوحيد وقوله :﴿إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ يدل على العدل، فثبت أن الدين إنما يتم بالتوحيد والعدل.
والثاني : أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله :﴿إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني أنه لا يخفى عليه مستتر، ولا يفوته هارب، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه، كما قال :
﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [ الفجر : ١٤ ] الثالث : أن يكون المراد ﴿إِنَّ رَبّى﴾ يدل على الصراط المستقيم، أي يحث، أو يحملكم بالدعاء إليه. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٨ صـ ١١ ـ ١٢﴾


الصفحة التالية
Icon