﴿حجارة من طين﴾ [ الذاريات : ٣٣ ] وذلك أن الحجارة أصلها تراب يجعل الله فيه بواسطة الماء قابلية للاستحجار كما جعل فيه قابلية التحول إلى المعدن من الذهب والفضة والحديد وغيرها، فباعتبار أصله هو طين، وباعتبار أوله حجر وكبريت ونار، ولعل حجر الكبريت أثقل الحجارة مع ما فيه من قوة النار وقبح الريح ؛ ثم فخمها بقوله :﴿عند ربك﴾ وعبر بالرب إشارة إلى كثرة إحسانه وإليه وأنه إنما أمره ـ ﷺ ـ بالإنذار وحمة لأمته التي جعلها خير الأمم وسيجعلها أكثر الأمم، ولا يهلكها كما أهلكهم ؛ ومادة سجل - بأي ترتيب كان - تدور على العلو، من الجلس لما ارتفع عن الغور وهو النجد، ويلزم منه الغلظ والعلو، ومن الغلظ الجلس للغليظ من الأرض والجمل الوثيق، ويلزم العلو التصويب ومن جلس - إذا قعد ؛ والسجل للدلو العظيمة، ويكون غالباً في مقابلتها أخرى، كلما نزلت واحدة طلعت الأخرى، فتاتي المساجلة بمعنى المباراة والمفاخرة، والسجل : الضرع العظيم، والسجل - بالكسر وشد اللام : الكتاب لأنه يذكر فيه ما يكون به المفاخرة والمغالبة ؛ وسلج الطعام : بلعه، والسلجان : نبات رخو، كأنه سمي بذلك لأن أغصانه تأخذ إلى أسفل لرخاوتها، وقد دل على هذا المعنى في هذه الآية بثلاثة أشياء : الإمطار، ولفظ " على "، وسجيل.
ولما كان المعنى أنها من مكان هو في غاية العلو ليعظم وقعها، حسن كل الحسن اتباع ذلك قوله :﴿وما هي﴾ على شدة بعد مكانها ﴿من الظالمين﴾ أي من أحد من العريقين في الظلم في ذلك الزمان ولا هذا ولا زمن من الأزمان ﴿ببعيد﴾ لئلا يتوهم الاحتياج في وصولها إلى المرمى بها إلى زمن طويل.


الصفحة التالية
Icon