فلما دخلوا عليه قالوا: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مزجاة. فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، إن الله يجزي المتصدقين. قال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ؟ قالوا: أئنك لأنت يوسف ؟ قال: أنا يوسف، وهذا أخي، قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا، وإن كنا لخاطئين. قال: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين. اذهبوا بقميصي هذه فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا، وأتوني بأهلكم أجمعين..
وفي النهاية يجيء ذلك الموقف الجليل الرائع.. موقف اللقاء الجامع ويوسف في أوج سلطانه وأوج تأويل رؤياه وتحقق أحلامه.. وإذا به ينسلخ من هذا كله وينتحي جانبا ينفرد بربه، ويناجيه خالصا له، وذلك كله مطروح وراءه:
رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث. فاطر السماوات والأرض. أنت ولي في الدنيا والآخرة. توفني مسلما وألحقني بالصالحين..
إنها شخصية موحدة متكاملة، بكل واقعيتها الممثلة لمقوماتها الواقعية في نشأتها وبيئتها.
ويعقوب.. الوالد المحب الملهوف، والنبي المطمئن الموصول، وهو يواجه بالاستبشار والخوف معا تلك الرؤيا الواعدة التي رآها يوسف ; وهو يرى فيها بشائر مستقبل مرموق، بينما هو يتوجس خيفة من الشيطان وفعله في نفوس بنيه. فتتجلى شخصيته بواقعيتها الكاملة في كل جوانبها:
(إذ قال يوسف لأبيه: يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. قال:) (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا. إن الشيطان للإنسان عدو مبين. وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم حكيم).
ثم نجد هذه الشخصية كذلك بكل واقعيتها البشرية النبوية، وبنوه يراودونه عن يوسف ثم وهم يفاجئونه بالفجيعة:


الصفحة التالية
Icon