ثم نلتقي به في فجيعته الثانية.. والدا ملهوفا ونبيا موصولا.. ذلك بعد أن دبر الله ليوسف كيف يأخذ أخاه. فيتخلف أحد أبناء يعقوب - صاحب الشخصية الخاصة فيهم، متوافيا مع سماته التي صاحبت مواقفه كلها في القصة، مشفقا أن يقابل أباه بعد الموثق الذي آتاه إياه. إلا أن يأذن له أبوه أو يحكم له الله -:
فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا، قال كبيرهم: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله، ومن قبل ما فرطتم في يوسف ؟ فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. ارجعوا إلى أبيكم فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق ! وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين. واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها، وإنا لصادقون. قال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم. وتولى عنهم وقال: يا أسفا على يوسف ! وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم. قالوا: تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ! قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون. يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون..
وفي آخر مواقف المحنة الطويلة للشيخ المبتلي نجد ذات الملامح وذات الواقعية. وهو يشم ريح يوسف في قميصه، ويواجه غيظ بنيه وتبكيتهم فلا يشك في صدق ظنه بربه:
ولما فصلت العير قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف، لولا أن تفندون. قالوا: تالله إنك لفي ضلالك القديم. فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا. قال: ألم أقل لكم: إني أعلم من الله ما لا تعلمون ؟ قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. قال: سوف استغفر لكم ربي، إنه هو الغفور الرحيم


الصفحة التالية
Icon