إن رسالة يوسف عليه السلام كانت في هذه الفترة. وهو كان قد بدأ الدعوة إلى الإسلام.. ديانة التوحيد الخالص.. وهو في السجن ; وقرر أنها دين آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ; وقررها في صورة واضحة كاملة دقيقة شاملة، فيما حكاه القرآن الكريم من قوله:
(إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)..
وهي صورة للإسلام واضحة كاملة ودقيقة وشاملة - كما جاء به رسل الله جميعا - من ناحية أصول العقيدة. تحتوي، الإيمان بالله، والإيمان بالآخرة، وتوحيد الله وعدم الشرك به أصلا، ومعرفة الله سبحانه بصفاته.. الواحد، القهار.. والحكم بعدم وجود حقيقة ولا سلطان لغيره أصلا ; ومن ثم نفى الأرباب التي تتحكم في رقاب العباد، وإعلان السلطان والحكم لله وحده، ما دام أن الله أمر ألا يعبد الناس غيره. ومزاولة السلطان والحكم والربوبية هي تعبيد للناس مخالف للأمر بعبادة الله وحده. وتحديد معنى "العبادة " بأنها الخضوع للسلطان والحكم والإذعان للربوبية، وتعريف الدين القيم بأنه إفراد الله سبحانه بالعبادة - أي إفراده بالحكم - فهما مترادفان أو متلازمان: (إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه. ذلك الدين القيم).. وهذه هي أوضح صورة للإسلام وأكملها وأدقها وأشملها..