وإذا اتضح أن ديانة التوحيد - على هذا المستوى - كانت قد عرفت قبل تولي يوسف مقاليد الحكم في مصر ; فلا بد أن تكون قد انتشرت بعد ذلك واستقرت على نطاق واسع في أثناء توليه الحكم، ثم من بعد ذلك في عهد أسر الرعاة. فلما استرد الفراعنة زمام الأمور في الأسرة الثامنة عشرة أخذوا يقاومون ديانة التوحيد ممثلة في ذرية يعقوب التي تكاثرت في مصر، لإعادة الوثنية التي تقوم عليها الفرعونية !...
وهذا يكشف لنا سببا أصيلا من أسباب اضطهاد الفراعنة بعد ذلك لبني إسرائيل - أي يعقوب - إلى جانب السبب السياسي، وهو أنهم جاءوا واستوطنوا وحكموا واستقروا في عهد ملوك الرعاة الوافدين. فلما طرد المصريون ملوك الرعاة طاردوا حلفاءهم من بني إسرائيل أيضا.. وإن كان اختلاف العقيدتين ينبغي أن يكون هو التفسير الأقوى لذلك الاضطهاد الفظيع. ذلك أن انتشار عقيدة التوحيد الصحيحة يحطم القاعدة التي يقوم عليها ملك الفراعين ! فهي العدو الأصيل للطواغيت وحكم الطواغيت وربوبية الطواغيت !
ولقد وردت إشارة إلى هذا الذي نقرره في حكاية القرآن الكريم لقول مؤمن آل فرعون في سورة غافر ; في دفاعه الإسلامي المجيد عن موسى عليه السلام، في وجه فرعون وملئه عندما هم فرعون بقتل موسى، ليقتل معه الخطر الذي يتهدد ملكه كله من عقيدة التوحيد التي جاء بها موسى: