وذلك إلى بعض صور المجتمع الجاهلي في طبقة العلية من الملأ: في البيت والسجن والسوق والديوان - في مصر يومذاك. والمجتمع العبراني، وما يسود العصر من الرؤى والتنبؤات.
وتبدأ القصة بالرؤيا يقصها يوسف على أبيه، فينبئه أبوه بأن سيكون له شأن عظيم، وينصحه بألا يقصها على إخوته كي لا يثير حسدهم فيغريهم الشيطان به فيكيدون له.. ثم تسير القصة بعد ذلك، وكأنما هي تأويل للرؤيا ولما توقعه يعقوب من ورائها حتى إذا اكتمل تأويل الرؤيا في النهاية أنهى السياق القصة، ولم يسر فيها كما سار كتاب "العهد القديم" بعد هذا الختام الفني الدقيق، الوافي بالغرض الديني كل الوفاء.
وما يسمى بالعقدة الفنية في القصة واضح في قصة يوسف. فهي تبدأ بالرؤيا كما سبق، ويظل تأويلها مجهولا، يتكشف قليلا قليلا، حتى تجيء الخاتمة فتحل العقدة حلا طبيعيا لا تعمل فيه ولا اصطناع !
والقصة مقسمة إلى حلقات. كل حلقة تحتوي جملة مشاهد. والسياق يترك فجوات بين المشهد والمشهد يملؤها تخيل القاريء وتصوره، ويكمل ما حذف من حركات وأقوال، مع ما في هذا من تشويق ومتاع..
وحسبنا هذا القدر من التحليل الفني لقصة يوسف، وتمثيلها للمنهج القرآني الإسلامي في الأداء. وفي هذا القدر ما يكشف عن مدى الإمكانيات التي يعرضها هذا المنهج للمحاولات البشرية في الأدب الإسلامي، لتمكينه من الأداء الفني الكامل والواقعية الصادقة السليمة، دون أن يسف أو يحتاج إلى التخلي عن النظافة اللائقة بفن يقدم ل "الإنسان" !
وتبقى وراء ذلك كله عبرة القصة وقيمتها في مجال الحركة الإسلامية ; وإيحاءاتها المتوافية مع حاجات الحركة في بعض مراحلها. ومع حاجاتها الثابتة التي لا تتعلق بمرحلة خاصة منها. إلى جانب الحقائق الكبرى التي تتقرر من خلال سياق القصة، ثم من خلال سياق السورة كلها بعد ذلك. وبخاصة تلك التعقيبات الأخيرة في السورة..