كذلك هي تقرر طبيعة ديانة التوحيد التي جاء بها الرسل جميعا.. إنه ليس توحيد الألوهية فحسب. ولكنه كذلك توحيد الربوبية.. وتقرير أن الحكم لله وحده في أمر الناس كله ; وأن هذا التقرير ناشيء من أمر الله سبحانه بألا يعبد إلا إياه. والتعبير القرآني الدقيق في هذه القضية يحدد مدلول "العبادة " تحديدا دقيقا. فهي الحكم من جانب الله والدينونة من جانب البشر.. وهذا وحده هو "الدين القيم" فلا دين إذن لله ما لم تكن دينونة الناس لله وحده، وما لم يكن الحكم لله وحده. ولا عبادة لله إذن إذا دان الناس لغير الله فيشأن واحد من شؤون الحياة. فتوحيد الألوهية يقتضي توحيد الربوبية. والربوبية تتمثل في أن يكون الحكم لله.. أو أن تكون العبادة لله.. فهما مترادفان أو متلازمان. والعبادة التي يعتبر بها الناس مسلمين أو غير مسلمين هي الدينونة والخضوع والاتباع لحكم الله دون سواه..
وهذا التقرير القرآني بصورته هذه الجازمة ينتهي كل جدل في اعتبار الناس في أي زمان وفي أي مكان مسلمين أو غير مسلمين، في الدين القيم أم في غير هذا الدين.. فهذا الاعتبار يعد من المعلوم من الدين بالضرورة.. من دان لغير الله وحكم في أي أمر من أمور حياته غير الله، فليس من المسلمين وليس في هذا الدين. ومن أفرد الله سبحانه بالحاكمية ورفض الدينونة لغيره من خلائقه فهو من المسلمين وفي هذا الدين.. وكل ما وراء ذلك تمحل لا يحاوله إلا المهزومون أمام الواقع الثقيل في بيئة من البيئات وفي قرن من القرون ! ودين الله واصح. وهذا النص وحده كاف في جعل هذا الحكم من المعلوم من الدين بالضرورة. من جادل فيه فقد جادل في هذا الدين !
ومن الإيحاءات الواردة في ثنايا القصة صورة الإيمان المتجرد الخالص الموصول كما تتجلى في قلبي عبدين صالحين من عباد الله المختارين: يعقوب ويوسف: