وهي إيقاعات مؤثرة بقدر ما تحمل من حقائق عميقة عن طبيعة الناس حين لا يدينون بدين الله الصحيح. وبخاصة في قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)..
فهذا هو التصوير العميق لكثير من النفوس التي يختلط فيها الإيمان بالشرك، لأنها لم تحسم في قضية التوحيد.
وهنا يجيء الإيقاع الكبير العميق المؤثر الموحي، بتوجيه الرسول ( ﷺ ) إلى تحديد طريقه وتميزها وإفرادها عن كل طريق، والمفاصلة على أساسها الواضح الفريد:
(قل: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين)..
ثم تختم السورة بإيقاع آخر يحمل عبرة القصص القرآني كله، في هذه السورة وفي سواها. يحملها للنبي ( ﷺ ) والقلة المؤمنة معه، ومعها التثبيت والتسرية والبشرى ; ويحملها للمشركين المعاندين، ومعها التذكير والعظة والنذير. كما أن فيها للجميع تقريرا لصدق الوحي وصدق الرسول ; وتقريرا لحقيقة الوحي وحقيقة الرسالة، مع تخليص هذه الحقيقة من الأوهام والأساطير:
(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى. أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ؟ ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ؟ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا، فنجي من نشاء، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين. لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)..
إنه الإيقاع الأخير. والإيقاع الكبير..
وبعد فلعل من المناسب في تقديم السورة التي حوت قصة يوسف، نموذجا كاملا للأداء الفني الصادق الجميل، أن نلم بشيء من لطائف التناسق في الأداء القرآني في السورة بكاملها وأن نقف عند نماذج من هذه اللطائف تمثل سائرها:


الصفحة التالية
Icon