فكأنه قيل : ماذا قال لهم؟ فقيل :﴿قال﴾ ما زاد صدورهم توغراً لأن ما قالوه له هو بحيث يسر به لسرور يوسف عليه الصلاة والسلام به ﴿إني ليحزنني﴾ أي حزناً ظاهراً محققاً - بما أشار إليه إظهار النون وإثباته لام الابتداء ﴿أن تذهبوا به﴾ أي يتجدد الذهاب به مطلقاً - لأني لا أطيق فراقه - ولا لحظة، وفتح لهم باباً يحتجون به عند فعل المراد بقوله جامعاً بين مشقتي الباطن، والبلاء - كما قالوا - مؤكل بالمنطق :﴿وأخاف﴾ أي إذا ذهبتم به واشتغلتم بما ذكرتم ﴿أن يأكله الذئب﴾ أي هذا النوع كأنه كان كثيراً بأرضهم ﴿وأنتم عنه﴾ أي خاصة ﴿غافلين﴾ أي عريقون في الغفلة لإقبالكم على ما يهمكم من مصالح الرعي ؛ والحزن : ألم القلب مما كان من فراق المحبوب، ويعظم إذا مان فراقه إلى ما يبغض ؛ والأكل : تقطيع الطعام بالمضغ الذي بعده البلع ؛ فكأنه قيل : إن تلقيهم لمثل هذا لعجب، فماذا قالوا؟ فقيل :﴿قالوا﴾ مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله، مؤكدين ليطيب خاطره، دالين على القسم بلامه :﴿لئن أكله الذئب ونحن﴾ أي والحال أنا ﴿عصبة﴾ أي أشداء تعصب بعضنا لبعض ؛ وأجابوا القسم بما أغنى عن جواب الشرط :﴿إنا إذاً﴾ أي إذا كان هذا ﴿لخاسرون﴾ أي كاملون في الخسارة لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعاً ؛ وأعرضوا عن جواب الأول لأنه لا يكون إلا بما يوغر صدره ويعرف منه أنهم من تقديمه في الحب على غاية من الحسد لا توصف، وأقله أن يقولوا : ما وجه الشح بفراقه يوماً والسماح بفراقنا كل يوم، وذلك مما يحول بينهم وبين المراد، فكأنه قيل : إن هذا الكيد عظيم وخطب جسيم، فما فعل أبوهم؟ فقيل : أجابهم إلى سؤلهم فأرسله معهم ﴿فلما ذهبوا﴾ ملصقين ذهابهم ﴿به وأجمعوا﴾ أي كلهم، وأجمع كل واحد منهم بأن عزم عزماً صادقاً ؛ والإجماع على الفعل : العزم عليه باجتماع الدواعي كلها ﴿أن يجعلوه﴾ والجعل : إيجاد ما به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه،