في ضحكه، ولا يكون ذلك إلا بمن امتثل مراده.
ولما قالت ما قالت وفعلت ما فعلت، مع ما هي عليه من القدرة في نفسها ولها عليه من التسلط وهو عليه من الحسن والشباب، كان كأنه قيل : إن هذا لموطن لا يكاد ينجو منه أحد، فماذا كان منه؟ فقيل :﴿قال﴾ أي يوسف مستعملاً للحكم بالعلم ﴿معاذ﴾ أي أعوذ من هذا الأمر معاذ ﴿الله﴾ أي ألزم حصن الذي له صفات الكمال وهو محيط بكل شيء علماً وقدرة، وملجأة الذي ينبغي الاعتصام به واللجاء إليه ؛ ثم علل ذلك بقوله :﴿إنه﴾ أي الله ﴿ربي﴾ أي موجدي ومدبري والمحسن إليّ في كل أمر، فأنا أرجو إحسانه في هذا ﴿أحسن مثواي﴾ بأن جعل لي في قلب سيدك مكانة عظيمة حتى خولني في جميع ما يملك وائتمنني على كل ما لديه، فإن خالفت أمر ربي فخنت مَن جعلني موضعاً للأمانة كنت ظالماً واضعاً للشيء في غير موضعه، وهذا التقدير - مع كونه أليق بالصالحين المراقبين - أحسن، لأنه يستلزم نصح العزيز، ولو أعدنا الضمير على العزيز لم يستلزم التقوى.
ولما كان من المعلوم أن لسان حالها يقول : وإذا كان ظلماً كان ماذا؟ قال ما تقديره : إني إذن لا أفلح، وعلله بقوله :﴿إنه لا يفلح﴾ أي لا يظفر بمراده أصلاً ﴿الظالمون﴾ أي العريقون في الظلم - وهو وضع الشيء في غير موضعه - الذين صرت في عدادهم على تقدير الفعل، فيا له من دليل على إحسانه وحكمه وعلمه، فإنه لما رأى المقام الدحض بادر إلى الاعتصام بمن بيده ملكوت كل شيء، ثم استحضر إحسانه إليه الموجب للشكر عليه المباعد عن الهفوات ثم مقام الظلم وما يوجب لصاحبه من الحزن بعدم الفلاح. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٤ صـ ٢٧ ـ ٣٠﴾


الصفحة التالية
Icon