والباقون بالتاء على الخطاب، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان.
الأول : أنه خطاب للمذكورين في قوله :﴿قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [ الرعد : ١٦ ] والثاني : أنه يجوز أن يكون خطاباً عاماً يراد به الكافة، كأنه قال : ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون.
البحث الثاني : الإيقاد على الشيء على قسمين : أحدهما : أن لا يكون ذلك الشيء في النار، وهو كقوله تعالى ﴿فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين﴾ [ القصص : ٣٨ ] والثاني : أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار، فلهذا السبب قال ههنا :﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النار ﴾.
البحث الثالث : في قوله :﴿ابتغاء حِلْيَةٍ﴾ قال أهل المعاني : الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله :﴿زَبَدٌ مّثْلُهُ﴾ أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.
ثم قال تعالى :﴿وكذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل﴾ والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل.
ثم قال :﴿فأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس﴾ قال الفراء : الجفاء الرمي والاطراح يقال : جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال، والمعنى : أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشبهات، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالاً، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار.
أما قوله تعالى :﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى﴾ ففيه وجهان : الأول : أنه تم الكلام عند قوله :﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ ثم استأنف الكلام بقوله ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمُ الْحُسْنَى ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٩ صـ ٢٨ ـ ٣٠﴾