والثاني : أن الصوفية يقولون : إن الشرك نوعان : شرك جلي وهو الذي يقول به المشركون، وشرك خفي وهو تعليق القلب بالوسايط وبالأسباب الظاهرة والتوحيد المحض هو أن ينقطع نظره عن الوسايط ولا يرى متصرفاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله :﴿واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ المراد منه أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي والله أعلم بمراده.
والجواب عن السؤال الثالث من وجوه : الأول : قال صاحب "الكشاف" : قوله ﴿وبني﴾ أراد بنيه من صلبه والفائدة في هذا الدعاء عين الفائدة التي ذكرناها في قوله :﴿واجنبنى ﴾.
والثاني : قال بعضهم أراد من أولاده وأولاد أولاده كل من كانوا موجودين حال الدعاء ولا شبهة أن دعوته مجابة فيهم.
الثالث : قال مجاهد : لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنماً، والصنم هو التمثال المصور ما ليس بمصور فهو وثن.
وكفار قريش ما عبدوا التمثال وإنما كانوا يعبدون أحجاراً مخصوصة وأشجاراً مخصوصة، وهذا الجواب ليس بقوي، لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والحجر كالصنم في ذلك.
الرابع : أن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده والدليل عليه أنه قال في آخر الآية :﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنّي﴾ وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، ونظيره قوله تعالى لنوح :﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح﴾ [ هود : ٤٦ ].
والخامس : لعله وإن كان عمم في الدعاء إلا أن الله تعالى أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض، وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء عليهم السلام، ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام :﴿قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [ البقرة : ١٢٤ ].
المسألة الثالثة :